أبي نعيم الأصبهاني
342
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
من نعمة ، وأن يرزقنا وإياكم الشكر على إحسانه ، وأن يميتنا ويحيينا وإياكم على الاسلام ، وأن يسلم لنا ولكم خلفا من تلف ، وعوضا من كل رزية ، أوصيك بتقوى اللّه يا علي ولزوم أمره والتمسك بكتابه ، ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالايمان وسهلوا لنا السبل فاجعلهم نصب عينيك ، وأكثر عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلاء ، ويغنوك عن مشاهدة الملأ فمثل حالهم كأنك تشاهدهم ، فمجالسة أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى ، ومن يرقب منك زلتك وسقطتك إن قدر عليها فإن لم يقدر عليها جعل جليسا أن رآه عندك عيبك فرماك بما لم يره اللّه منك ، واعلم علمك اللّه الخير وجعلك من أهله ، أن أكثر عمرك فيما أرى قد انقضى ، ومن يرضى حاله قد مضى ، وأنت لاحق بهم ، وأنت مطلوب ولا تعجز طالبك ، وأنت أسير في يديه ، وكل الخلق في كبريائه صغير ، وكلهم إليه فقير ، فلا يشغلنك كثرة من يحبك ، وتضرع إليه تضرع ذليل إلى عزيز ، وفقير إلى غنى ، وأسير لا يجد ملجأ ولا مفرا يفر إليه عنا ، وخائف مما قدمت يداه ، غير واثق على ما يقدم لا يقطع الرجاء ، ولا يدع الدعاء ، ولا يأمن من الفتن والبلاء ، فلعله إن رآك كذلك عطف عليك بفضله ، وأمدك بمعونته ، وبلغ بك ما تأمله من عفوه ورحمته ، فافزع إليه في نوائبك ، واستعنه على ما ضعفت عنه قوتك ، فإنك إذا فعلت ذلك قربك بخضوعك له ، ووجدته أسرع إليك من أبويك ، وأقرب إليك من نفسك . وباللّه التوفيق ، وإياه أسال خير المواهب لنا ولك ، واعلم يا علي أنه من ابتلى بالشهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة ، فجبرها اللّه لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذل لعظمته ، وكفانا وإياك فتنتها وشر عاقبتها فإنه تولى ذلك من أوليائه ومن أراد توفيقه ، وارجع إلى أقرب الأمرين بك ، إلى إرضاء ربك ، ولا ترجعن بقلبك إلى محمدة أهل زمانك ولا ذمهم ، فان من كان يتقى ذلك منه قد مات ، وإنارة إحياء القلوب من صالح أهل زمانك وإنما أنت في محل موتى ومقابر أحياء ماتوا عن الآخرة ، ودرست عن طرقها آثارهم ، هؤلاء أهل زمانك فتوار مما لا يستضاء فيها بنور اللّه ، ولا يستعمل فيها